سيد محمد طنطاوي
185
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ملة الإسلام التي عليها محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وعليها من آمن به ، فهم المتبعون حقا لإبراهيم - عليه السلام - وهم أولى الناس به ، لأن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما . أي كان متجها إلى الحق لا ينحرف عنه إلى غيره من الأديان أو الأقوال أو الأفعال الباطلة . وكان مسلما ، أي كان مسلما وجهه اللَّه ، مفردا إياه بالعبادة والطاعة والخضوع ثم نفى اللَّه - تعالى - عن إبراهيم كل لون من ألوان الشرك بأبلغ وجه فقال * ( وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * . أي ما كان إبراهيم في أي أمر من أموره من الذين يشركون مع اللَّه آلهة أخرى ، وإنما كان مخلصا عبادته اللَّه وحده . وفي ذلك تعريض بشرك اليهود وغيرهم من أهل الكفر والضلال ، وتنبيه إلى أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأتباعه هم المتبعون حقا لإبراهيم ، فقد أمر اللَّه - محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يسير على طريقة أبيه إبراهيم فقال : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حكت قضية من القضايا الكثيرة التي جادل اليهود فيها النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وقد لقنت الآيات النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الجواب الذي يخرس ألسنتهم ، ويكشف عن كذبهم وافترائهم وظلمهم ، ويرشدهم ويرشد كل من يتأتى له الخطاب إلى الملة القويمة إن كانوا حقا يريدون الاهتداء إلى الصراط المستقيم . ثم أخبر القرآن عن مسألة أخرى جادل اليهود فيها النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهي مسألة أفضلية المسجد الحرام على غيره من المساجد ، وقد رد القرآن عليهم وعلى أمثالهم في الكفر والعناد بما يثبت أن المسجد الحرام الذي نازعوا في أفضليته هو أفضل المساجد على الإطلاق فقال تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْه سَبِيلًا ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 )
--> ( 1 ) سورة النحل الآية 123 .